علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
58
نسمات الأسحار
دقيق الأمر وجليله فلما وصل إلى الكوفة وجد سفيان في مسجده . قال عباد : فلما رآني من بعيد قام وقال : أعوذ باللّه السميع العليم وأعوذ بك اللهم من طارق يطرقنا إلا بخير ، فقال : نزلت بباب المسجد فقام يصلى ولم يكن وقت صلاة فربطت فرسى ودخلت وسلمت فما رفع أحد من جلسائه رأسه ، قال : فبقيت واقفا ما منهم أحد يعرض علىّ الجلوس وقد غلبني من هيبتهم الرعدة فرميت الكتاب إليه ، فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد عنه كأنه حية عرضت له في محرابه ، فركع وسجد وسلم ، ثم أدخل يده في كمه وأخذه وقلبه بيده ، ثم دحاه إلى من كان خلفه وقال : يقرؤه بعضكم فإني أستغفر اللّه أن أمس شيئا مسه ظالم ، قال عباد : فمد بعضهم يده كأنه حية تنهشه ثم قرأه وسفيان يبتسم تبسم التعجب ، فلما فرغ من قراءته قال : اقلبوه واكتبوا للظالم في ظهره ، فقيل : يا أبا عبد اللّه خليفة ! فلو كتبت في قرطاس نقى فقال : اكتبوا للظالم في ظهر كتابه فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به ، ولا يبقى شئ مسه ظالم عندنا فيفسد ديننا ، فقيل : ما نكتب ؟ فقال : اكتبوا : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من العبد الميت سفيان إلى العبد المغرور بالآمال هارون الذي سلب حلاوة الإيمان . أما بعد . . فإني أكتب إليك أعلمك أنى قد صرمت حبلك وقطعت ودك ، وإنك جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته بغير حكمة ، ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عنى حتى كتبت تشهدنى على نفسك ، أما إني قد شهدت عليك أنا وإخواني وسنؤدى الشهادة بين يدي اللّه تعالى ، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم ، هل رضى بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها في أرض اللّه والمجاهدون في سبيل اللّه ، أم ابن السبيل ، أم رضى بذلك حملة القرآن وأهل العلم - يعنى العاملين - ورضى الأيتام والأرامل ، أم رضى بذلك خلق من رعيتك ؟ فشد يا هارون مئزرك ، وأعدّ للمسائلة جوابا ، وللبلاء جلبابا ، واعلم أنك ستقف بين يدي اللّه الحكم العدل في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار ورضيت لنفسك أن تكون ظالما ، وللظالمين إماما .